ابن قيم الجوزية

123

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فهو الحجر في طريق الماء الذي به حياته . وهو السّكر الذي قد سد مجرى الماء إلى بستان قلبه ، ويستغيث مع ذلك : العطش العطش ، وقد وقف في طريق الماء ، ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه عن سر غيبه ، وهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب فما عليه أضر منه ، ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه . ما تبلغ الأعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه فتبّا له ظالما في صورة مظلوم ، وشاكيا والجناية منه . قد جد في الإعراض وهو ينادي : طردوني وأبعدوني . ولّى ظهره الباب ، بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها . ويقول : دعاني ، وسد الباب دوني فهل إلى * دخولي سبيل ، بيّنوا لي قصتي يأخذ الشفيق بحجزته عن النار . وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها . ويستغيث : ما حيلتي ؟ وقد قدّموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها . واللّه كم صاح به الناصح : الحذر الحذر ، إياك إياك ، وكم أمسك بثوبه . وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الاقتحام : وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقد يستفيد الظّنّة المتنصّح يا ويله ظهيرا للشيطان على ربه ، خصما للّه مع نفسه ، جبريّ المعاصي ، قدريّ الطاعات ، عاجز الرأي مضياع لفرصته ، قاعد عن مصالحه ، معاتب لأقدار ربه . يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته ، إذا احتجوا به عليه في التهاون في بعض أمره . فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه ، أو نهاه عن شيء فارتكبه ، وقال : القدر ساقني إلى ذلك . لما قبل منه هذه الحجة ، ولبادر إلى عقوبته . فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك ، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك ؟ بل إذا أساء إليك مسيء ، وجنى عليك جان ، واحتج بالقدر : لاشتدّ غضبك عليه . وتضاعف جرمه عندك ، ورأيت حجته داحضة . ثم تحتج على ربك به . وتراه عذرا لنفسك ؟ ! فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله ؟ هذا مع تواتر إحسان اللّه إليك على مدى الأنفاس : أزاح عللك ، ومكّنك من التزود إلى جنّته ، وبعث إليك الدليل ، وأعطاك مؤنة السفر ، وما تتزود به ، وما تحارب به قطّاع الطريق عليك . فأعطاك السمع والبصر والفؤاد ، وعرّفك الخير والشر ، والنافع والضار ، وأرسل إليك رسوله . وأنزل إليك كتابه ، ويسّره للذكر والفهم والعمل . وأعانك بمدد من جنده الكرام ، يثبتونك ويحرسونك . ويحاربون عدوك ويطردونه عنك . ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه ، وهم يكفونك مؤنته . وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم ، وموالاته دونهم . بل تظاهره وتواليه دون وليّك الحق الذي هو أولى بك . قال اللّه تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [ الكهف : 50 ] طرد إبليس عن سمائه ، وأخرجه من جنته ، وأبعده عن قربه ، إذ لم يسجد لك ، وأنت في صلب أبيك آدم ، لكرامتك عليه « 1 » . فعاداه وأبعده ، ثم واليت عدوه ، وملت إليه وصالحته .

--> ( 1 ) ولا تزال الملائكة - بفضل اللّه سبحانه وتسخيره - خاضعة مسخرة في تدبير أمرك من السماء إلى الأرض ، -